RSS

Twitter

Facebook

Youtube

بيان الأدلة على أن حرمة الخروج على ولاة الأمر من عقيدة أهل السنة والجماعة

المقال

بيان الأدلة على أن حرمة الخروج على ولاة الأمر من عقيدة أهل السنة والجماعة



المشرف |10-11-2014

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركن المقالات


هذه رسالة فيها بيان أن الخروج على ولاة الأمر محرم ، وقد دلت النصوص الشرعية عليه ، وأن هذا من أصول أهل السنة والجماعة.

خالد بن إبراهيم الحميدي

8734 | عدد الزوار




بيان الأدلة على أن حرمة الخروج على ولاة الأمر من عقيدة أهل السنة والجماعة

إعداد : خالد بن إبراهيم بن محمد الحميدي

موجه أول إمامة وخطابة في وزارة الأوقاف الكويتية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله ، أما بعد :

مسألة الخروج على ولاة الأمر، مسألة دلت النصوص الشرعية المحكمة على تحريمه ؛ لما يترتب على ذلك من الفساد العظيم: من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وضياع الأمن والمال، والواقع يدل على ذلك. ولما كانت هذه المسألة – للأسف – لا زالت مشكلة عند بعض الشباب المسلم – هداهم الله –، وصار بعض الناس ينادون بهذه العقيدة التي هي من عقائد الخوارج والمعتزلة وغيرهم من أهل البدع، ويظهرون للناس أن الخروج على الولاة من الدين؛ لما فيه من رفع الظلم الواقع من قِبَلِ بعض الحكام على الشعوب. فأردت أن أجمع بعض النصوص الشرعية الواردة في ذلك، وبعض كلام أهل العلم الموثوق بهم، و أنشره بين الشباب، علَّ الله أن يجعل ذلك نفعاً للمسلمين.

وسنذكر أولاً الأدلة الشرعية، ثم نذكر بعضَ كلامِ أهل العلم من أهل السنة والجماعة على أن هذه العقيدة مجمع ٌعليها عند أهل السنة والجماعة، وهي ميزة لأهل السنة من بين الفرق المبتدعة.

أولاً : الأدلة على حرمة الخروج على الأئمة :

1- قال تعالى : " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) " سورة النساء .

فالله يأمرنا بطاعة ولاة الأمر، وهم: العلماء والأمراء. ومن المعلوم أن الطاعة لهم مقيدة بالمعروف في الشرع. والخروج عليهم خلاف الطاعة بالمعروف.

2- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه قَالَ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ". [1]

3- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ ".[2]

وفي لفظ : دَعَانَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: "أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ" قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ"[3]

قال النووي: أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم .[4]

قلت : النبي – صلى الله عليه وسلم - لم يسمح بمنازعة ولاة الأمر إذا استأثروا بالدنيا، ومنعوا الناس حقوقهم. ولم يرخص بمنازعتهم إلا في حالة واحدة وهي: أن يقعوا في كفر بواح، وهو الظاهر الذي لا خلاف فيه ولا يحتمل التأويل، ومع هذا لا بد أن يكون للمسلمين قدرة يستطيعون إزالة الوالي الكافر من غير أن يترتب ضرر أعظم من ضرر بقائه.

قال الحافظ ابن حجر : قوله : "عندكم من الله فيه برهان " أي : نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم، ما دام فعلهم يحتمل التأويل.[5]

قال الشيخ ابن باز- في شرح صوتي على شرح العقيدة الطحاوية-: ويجوز الخروج على الإمام الكافر، إذا كان عندهم قدرة يترتب عليها زواله من دون مضرة.[6]

قال ابن بطال: فدل هذا كله على ترك الخروج على الأئمة، وألا يشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء، وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام ويظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة لمخلوق عليه.[7]

4- عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: "تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ" .[8]

فسر النووي الأثرة فقال : والمراد بها هنا: "استئثار الأمراء بأموال بيت المال".[9]

قال النووي: "وفيه الحث على السمع والطاعة ، وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيُعطى حقَه من الطاعة، ولا يُخرج عليه ولا يُخلع، بل يُتضرع إلى الله - تعالى - في كشف أذاه، ودفع شره، وإصلاحه ".[10]

5- سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ – رضي الله عنه - رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ، وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ. فقَالَ النبي – صلى الله عليه وسلم- : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ"[11] .

أي : يجب على الولاة إقامة العدل، وإعطاء الناس حقوقهم. فإن استأثروا بهذه الدنيا، وظلموا تحملوا الوزر. والواجب عليكم - يا أيها الرعية - السمع والطاعة وعدم الخروج، والصبر حتى يرفع الله عنكم الضر.

6- عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه قال : "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ" . قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ".[12]

قال النووي: " وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي، من أخذ الأموال وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية ".[13]

7- عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أن رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ"[14]

يُصلون أي : يدعون .

8- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ" . قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: "لَا، مَا صَلَّوْا".[15]

9- عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ، زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ .[16] فَقَالَ: اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ،وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ". [17]

10- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". [18]

قال ابن تيمية: "فذم الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة، وجعل ذلك ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية لم يكن لهم رأس يجمعهم ".[19] الرأس: الإمام .

قال الحافظ ابن حجر : "والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت، كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا، بل يموت عاصيا".[20]

11- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ".[21]

عِمِّيَة : أي في أمر أعمى لا يعرف وجهته، كالتقاتل من أجل شهوة النفس والغضب لها، ومن أجل العصبية لقومه. ويدخل في ذلك من يقاتل من أجل إقامة الديمقراطية وغير ذلك من الشعارات الباطلة.

12- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ، وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ معصية"[22]

13- عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن النبي –صلى الله عليه وسلم – قال للأنصار: " إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ"[23]

فالنبي – صلى الله عليه وسلم – لم يأمر الأنصار بالخروج على الولاة إذا استأثروا بالدنيا، ولكن أمرهم بالصبر. وهذه نصيحة لهم ولغيرهم. فالخروج خلاف الصبر المأمور به.

14- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ - اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ، يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا فَأَخَذَهَا "[24]

قال ابن بطال: " فى هذا الحديث وعيد شديد فى الخروج على الأئمة ونكث بيعتهم لأمر الله بالوفاء بالعقود؛ إذ فى ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال، وحقن الدماء، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتيت الألفة ".[25]

15 - عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بن الخطاب – رضي الله عنه - : " يَا أَبَا أُمَيَّةَ، إِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَلْقَاكَ بَعْدَ عَامِي هَذَا، فَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكَ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ، وَإِنْ ضَرَبَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ حَرَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَرَادَ أَمْرًا يُنْقِصُ دِينَكَ، فَقُلْ: سَمْعًا وَطَاعَةً، دَمِي دُونَ دِينِي، وَلَا تُفَارِقِ الْجَمَاعَةَ "[26]

ثانياً:كلام علماء أهل السنة في" تحريم الخروج على ولاة الأمر "

هذه العقيدة مجمع عليها عند أهل السنة والجماعة إلا من شذ منهم، وهي مسطرة في كتب العقائد عندهم . فهي أصل من أصول أهل السنة والجماعة، تميزت بها هذه الفِرقة الناجية عن الفرق البدعية .

1- قال عمرو بن العاص – رضي الله عنه – لابنه يوصيه: " يا بنيّ ! سلطان عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم".[27]

2- قال الحسن البصري – رحمه الله - : " لَوْ أَنَّ النَّاسَ إِذَا ابْتُلُوا مِنْ قِبَلِ سُلْطَانِهِمْ صَبَرُوا مَا لَبِثُوا أَنْ يُفْرَجَ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَجْزَعُونَ إِلَى السَّيْفِ، فَيُوَكَّلُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا جَاؤُوا بِيَوْمِ خَيْرٍ قَطُّ ".[28]

3- كَانَ الْحَسَنُ البصري إِذَا قِيلَ لَهُ أَلَا تَخْرُجُ، فَتُغَيِّرُ؟ قَالَ: يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يُغَيِّرُ بِالتَّوْبَةِ، وَلَا يُغَيِّرُ بِالسَّيْفِ".[29]

4- سئل الحسن البصري : ما ترى في القيام على الحَجَّاج[30]؟ فقال: " اتقوا الله، وتوبوا إليه يَكْفِكم جَوْره، واعلموا أن عند الله حَجَّاجين كثيراً[31] ".[32]

5- وكان الحسن البصري يقول : " هؤلاء -يعني الملوكَ- وإن رقصت بهم الهَماليجُ[33]، ووطِئ الناسُ أعقابَهم، فإن ذُلَّ المعصية في قلوبهم، إلا أن الحَقَّ ألزمنا طاعتَهم، ومَنَعَنا من الخروج عليهم، وأَمَرنا أن نستدفع بالتوبة والدعاء مضرتَهم، فمن أراد به خيراً، لَزِم ذلك، وعمِل به، ولم يخالِفْه".[34]

6- قال الحسن البصري عن الولاة : " والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جَاروا، وإن ظلموا، والله لَمَا يُصلح الله بهم أكثر مما يُفسدون، والله إن طاعتهم لَغِبْطةٌ[35]، وإن فُرقتهم لكفرٌ".[36]

7- قال الطحاوي في عقيدته المشهورة: " ولا نخرج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة "

قال ابن عبد العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية: " وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل. قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] . وقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79]. وقال تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129]. فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم، فليتركوا الظلم".[37]

قال الشيخ ناصر الدين الألباني معلقاً على ذلك: " وفي هذا بيان لطريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وهو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، ويصححوا عقيدتهم، ويربوا أنفسهم وأهليهم على الإسلام الصحيح تحقيقا لقوله تعالى:(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد: 11] وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله: " أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم". وليس طريق الخلاص ما يتوهم بعض الناس وهو الثورة بالسلاح على الحكام. بواسطة الانقلابات العسكرية فإنها مع كونها من بدع العصر الحاضر، فهي مخالفة لنصوص الشريعة التي منها الأمر بتغيير ما بالأنفس، وكذلك فلا بد من إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [الحج: 40] " .[38]

8- قال البربهاري: " ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار، ومِيتته مِيتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان والخروج عليه وإن جاروا، وذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: «اصبر، وإن كان عبدا حبشيا» .وقوله للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض » .

وليس من السنة قتال السلطان؛ فإن فيه فساد الدين والدنيا ".[39]

9- لما فشا القول بخلق القرآن في عهد الواثق الخليفة العباسي، اجتمع فقهاء بغداد إلى الإمام أحمد، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك، ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه. فناظرهم الإمام أحمد في ذلك وقال: " عليكم بالإنكار بقلوبكم ، ولا تخلعوا يدا من طاعة ، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ، ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر وقال : ليس هذا صواب، هذا خلاف الآثار" .[40]

10- سأل أبو الحارث الصائغ الإمامَ أحمد في أمر كان حدث ببغداد، وهَمَّ قوم بالخروج، فقال: " يا أبا عبد الله، ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم، فأنكر ذلك عليهم، وجعل يقول: "سبحان الله، الدماءَ، الدماءَ ! لا أرى ذلك، ولا آمر به. الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء، ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم. أما علمت ما كان الناس فيه- يعني أيام الفتنة- ". قال أبو الحارث : والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟! قال الإمام أحمد: " وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك ". قال أبو الحارث : ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماءَ ! لا أرى ذلك، ولا آمر به "[41]

11- قال الإمام أحمد: " وَمن خرج على إِمَام من أَئِمَّة الْمُسلمين ، وَقد كَانُوا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ، وأقروا بالخلافة بِأَيّ وَجه كَانَ بِالرِّضَا أَو الْغَلَبَة ، فقد شقّ هَذَا الْخَارِج عَصا الْمُسلمين، وَخَالف الْآثَار عَن رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَإِن مَاتَ الْخَارِج عَلَيْهِ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة، وَلَا يحل قتال السُّلْطَان وَلَا الْخُرُوج عَلَيْهِ لأحد من النَّاس، فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ مُبْتَدع على غير السّنة" .[42]

وعلي بن المديني ذكر هذه العقيدة بألفاظ قريبة مما قال الإمام أحمد.[43]

12- حدَّث محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أنهما يقولان: " ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاَّه الله – عز وجل – أمرنا، ولاننزع يداً من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة".[44]

13- قال أبو عثمان الصابوني:" ولا يرون[45] الخروج عليهم[46] بالسيف، وإن رأوا منهم العُدول عن العدل إلى الجَور والحيف".[47]

14- قال النووي: "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين .... وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضاً، فغلط من قائله، مخالف للإجماع. قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ".[48]

15- قال ابن بطال بعد ذكر الأحاديث التي تحرم الخروج على الأئمة : "فى هذه الأحاديث حجة فى ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم. والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلّب طاعته لازمة، ما أقام الجمعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ".[49]

16- قال ابن تيمية: "ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأن الفساد في القتال والفتنة، أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة ".[50]

17- وقال ابن تيمية: " ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته."[51]

18- قال ابن تيمية: " وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير. كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء ".[52]

19- قال ابن تيمية: " ولهذا كان مذهب (أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بَر أو يُستراح من فاجر ".[53]

20- قال ابن تيمية: " وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهَون عام الحَرَّة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ، ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث. ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين ".[54]

21- قال ابن تيمية - لما ذكر خروج الحسين وقتله وما ترتب عليه من الفساد والفتن:"وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصبر على جَور الأئمة، وترك قتالهم والخروج عليهم، هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً، لم يحصل بفعله صلاح بل فساد".[55]

22- قال ابن تيمية : " من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم ، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة، وكما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث المشهورة عنه لما قال: {إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض} وقال: {من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه} إلى أمثال ذلك. وقال: {أدوا إليهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم} وانهَوا عن قتالهم ما صلوا ، وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات وترك سيئات كثيرة. وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ، فلا يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور كما هو عادة أكثر النفوس، تزيل الشر بما هو شر منه، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم فيصبر عليه " .[56]

23- قال ابن تيمية: " وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله، فأجره على الله. ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال، فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم فما له في الآخرة من خلاق ".[57]

24- قال ابن تيمية : " ولهذا نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن القتال في الفتنة ، وكان ذلك من أصول السنة . وهذا مذهب أهل الحديث ، وأئمة أهل المدينة من فقهائهم وغيرهم".[58]

25- قال ابن تيمية: " مُجَرّد وجود البغي من إِمَام أَو طَائِفَة لَا يُوجب قِتَالهمْ، بل لَا يبيحه، بل من الْأُصُول الَّتِي دلّت عَلَيْهَا النُّصُوص، أَن الإِمَام الجائر الظَّالِم يُؤمر النَّاس بِالصبرِ على جوره وظلمه وبغيه وَلَا يقاتلونه، كَمَا أَمر النَّبِي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - بذلك فِي غير حَدِيث ".[59]

26- قال ابن القيم : النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: " أفلا نقاتلهم؟ فقال: لا، ما أقاموا الصلاة" وقال: "من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ، ولا ينزعن يدا من طاعته" .

ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل[60]، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى بمكة أكبر المنكرات، ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشيةَ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكف؛ ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه.[61]

27- قال ابن عبد البر: " وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج، وأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عدلاً محسناً، فإن لم يكن فالصبرعلى طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على هِرَاق الدماء وشن الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبرعلى جَوره وفسقه. والأصول تشهد والعقل والدين: أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك. وكل إمام يقيم الجمعة والعيد ويجاهد العدو، ويقيم الحدود على أهل العداء، وينصف الناس من مظالمهم بعضهم لبعض، وتَسكن له الدهماءُ[62]، وتَأمن به السبل، فواجب طاعته في كل ما يأمر به من الصلاح، أو من المباح".[63]

28-قال ابن رجب الحنبلي:"وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم".[64]

29-قال الحافظ ابن حجر: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قَدَر عليها".[65]

30- قال محمد بن عبد الوهاب: وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين بَرِّهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله. ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه.[66]

31-وقال محمد بن عبد الوهاب في رسالة " ستة أصول عظيمة مفيدة ": إن من تمام الاجتماع، السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً. فبيَّن الله هذا بيانا شافيا كافيا، بوجوه من أنواع البيان شرعاً وقدراً. ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟ ! [67]

وأما كلام أهل العلم الموثوقين من أهل السنة والجماعة في هذا العصر كالشيخ ابن باز, والألباني، وابن عثيمين، والشيخ الفوزان، وغيرهم، فهي كثيرة وموجود ويسهل الوصول إليها، وهي على ما قرره أهل السنة والجماعة في هذا الأصل العظيم من أصول أهل السنة والجماعة .

الخاتمة :

بعد هذه النقول من النصوص الشرعية، وكلام أهل العلم من أهل السنة والجماعة، يتضح أن مسألة الخروج على الولاة المسلمين، مسألة مجمع عليها عند أهل السنة، وقد استقر أهل السنة عليها، ووقوع بعض الفضلاء قديماً في شيء من هذه الفتن لا يُخِل بهذا الأصل، وذلك:

1- لأن فعلهم مخالف للنصوص ، والحجة مع النصوص .

2- أنهم قد تأولوا فعلهم بأنه يؤدي إلى الإصلاح، ثم تبين لهم خلاف ذلك، ولهذا الكثير ندم على ما فعله، ورجع عن قوله، كما حصل مثل ذلك للحسين – رضي الله عنه - ، حيث طلب من السرية الظالمة أن يُمَكِّنوه من الذهاب إلى يزيد بن معاوية لمبايعته في أحد مطالبه.

3- أن من هو أفضل منهم، وأعلم منهم أنكر عليهم، وبيَّن لهم خطأ فعلهم.

4- أن أهل السنة تبين لهم بالدليل الواقعي أن الخروج على الولاة لا يأتي ولن يأتي بخير مطلقاً؛ ولهذا استقر أمر أهل السنة بعد ذلك، على حرمة الخروج ولاة الأمر، وصاروا يذكرون ذلك في كتب العقائد؛ للدلالة على عظم هذا الأصل من أصول أهل السنة، وأنهم تميزوا به عن غيرهم من أهل البدع.

أسأل الله العلي الكبير بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يثبتنا عليه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. والله أعلم ، وصلِّ اللهم على محمد .

والحمد لله رب العالمين .

الكويت – القيروان

في يوم الاثنين 18من محرم 1436 الموافق 10| 11| 2014



[1] رواه البخاري ( 7144) ومسلم ( 1839)

[2] رواه البخاري (7199 ) ومسلم ( 4768)

[3] رواه البخاري ( 7055) ومسلم ( 4771)

[4] شرح صحيح مسلم ( 4| 503)

[5] فتح الباري ( 13| 10)

[6][6] وقال الشيخ ابن باز : الإمام الكافر إذا لم يستطيعوا أن يغيروه بالطرق الشرعية أطاعوه بالخير لا في الشر . شرح صوتي على شرح العقيدة الطحاوية .

[7] شرح صحيح البخاري ( 10| 9)

[8] رواه البخاري ( 3603) ومسلم ( 1843)

[9] شرح صحيح مسلم ( 4| 510)

[10] شرح صحيح مسلم ( 4| 510)

[11] رواه مسلم ( 1846)

[12] رواه مسلم ( 1847)

[13] شرح صحيح مسلم ( 4| 515)

[14] رواه مسلم ( 1855)

[15] رواه مسلم ( 1854)

[16] لما خرج أهل المدينة على يزيد بن معاوية في عام " 63 من الهجرة " ، ويسمى "عام الحَرَّة" . فأنكر عليهم عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - .

[17] رواه مسلم ( 1851)

[18] رواه مسلم ( 1849)

[19] منهاج السنة ( 1| 557)

[20] فتح الباري ( 13| 9)

[21] رواه مسلم ( 1848)

[22] راه ابن حبان في صحيحه ( 4562) وصححه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ( 7| 14)

[23] رواه البخاري (4330 ) ومسلم (1061 )

[24] رواه البخاري (2358) ومسلم ( 108)

[25] شرح صحيح البخاري ( 8| 279)

[26] كتاب السنة لأبي بكر الخلال ( 54) وكتاب الشريعة ( 70) وإسناده صحيح .

[27] مختصر تاريخ دمشق ( 19| 251)

[28] طبقات ابن سعد ( 7| 164)

[29] طبقات ابن سعد ( 7| 172)

[30] ابن يوسف الثقفي . وكان أميراً ظالماً .

[31] أي : يسلطهم الله على الناس بسبب ذنوبهم ، والمخرج هو الاستغفار والتوبة .

[32] كتاب آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه لابن الجوزي ص 118

[33] نوع من الدواب .

[34] كتاب آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه لابن الجوزي ص 118

[35] الغِبطة : حُسْنُ الحال ( المصباح المنير ) . أي : إن طاعتهم بالمعروف وعدم الخروج عليهم سبب لحسن الحال .

[36] أي كفر بنعمة الله

[37] شرح العقيدة الطحاوية ( 2| 543)

[38] العقيدة الطحاوية شرح وتعليق للشيخ الألباني ( ص69)

[39] شرح السنة ( 58)

[40] الآداب الشرعية لابن مفلح ( 1| 175)

[41] كتاب السنة لأبي بكر الخلال ( 1| 132)

[42] أصول السنة (100 ) مع شرح الشيخ ابن جبرين .

[43] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ( 1| 168)

[44] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ( 1| 177)

[45] أهل السنة والجماعة .

[46] الأئمة .

[47] كتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث

[48] شر ح صحيح مسلم ( 4| 507)

[49] شرح صحيح البخاري ( 10| 8)

[50] منهاج السنة ( 3| 391)

[51] منهاج السنة ( 3| 391)

[52] منهاج السنة ( 4| 527)

[53] مجموع الفتاوى ( 4| 444)

[54] منهاج السنة ( 4| 529)

[55] منهاج السنة ( 4| 531)

[56] مجموع الفتاوى ( 28| 179)

[57] مجموع الفتاوى ( 35| 16)

[58] كتاب الاستقامة ( 1| 32)

[59] كتاب الاستقامة ( 1| 32)

[60] أي الصبر على الأئمة وعدم الخروج عليهم .

[61] إعلام الموقعين ( 3| 4)

[62] الجماعة الكثيرة من الناس .

[63] التمهيد ( 23| 279)

[64] جامع العلوم والحكم ( 2| 767)

[65] فتح الباري ( 13| 9)

[66] الدرر السنية ( 1| 33)

[67] الدرر السنية ( 1| 173)



0 صوت
   طباعة 


جديد المقالات

روابط ذات صلة

 
انت الزائر رقم | 41059 يتصفح الموقع حاليا | 13
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ خالد ابراهيم الحميدي